ابن بطوطة
210
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
إليها وصارت دار العلم والملك إلى أن أتى الإسلام فاختط عمرو بن العاص رضي اللّه عنه مدينة الفسطاط فهي قاعدة مصر إلى هذا العهد . والأهرام بناء بالحجر الصلد المنحوت متناهي السمو مستدير متسع الأسفل ضيق الأعلى كالشكل المخروط ، ولا أبواب لها ولا تعلم كيفية بنائها . ومما يذكر في شأنها أن ملكا من ملوك مصر قبل الطوفان رأى رؤيا هالته وأوجبت عنده أنه بنى تلك الأهرام بالجانب الغربي من النيل لتكون مستودعا للعلوم ولجثث الملوك ، وأنه سأل المنجمين : هل يفتح منها موضع ؟ فأخبروه أنها تفتح من الجانب الشمالي ، وعينوا له الموضع الذي تفتح منه ، ومبلغ الانفاق في فتحه ، فأمر أن يجعل بذلك الموضع من المال قدر ما أخبروه أنه ينفق في فتحه ، واشتد في البناء فأتمه في ستين سنة ، وكتب عليها : بنينا هذه الأهرام في ستين سنة فليهدمها من يريد ذلك في ستمائة سنة ، فإن الهدم أيسر من البناء « 117 » . فلما أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين المأمون « 118 » أراد هدمها فأشار عليه بعض مشايخ مصر أن لا يفعل ، فلج في ذلك وأمر أن تفتح من الجانب الشمالي فكانوا يوقدون عليها النار ، ثم يرشونها بالخل ويرمونها بالمنجنيق حتى فتحت الثلمة التي بها إلى اليوم ووجدوا بإزاء النقب ما لا أمر أمير المؤمنين بوزنه فحصر ما أنفق في النقب فوجدهما سواء فطال عجبه من ذلك ووجدوا عرض الحائط عشرين ذراعا . ذكر سلطان مصر وكان سلطان مصر على عهد دخولي إليها الملك الناصر أبو الفتح محمد بن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي « 119 » ، وكان قلاوون يعرف بالألفي ، لأن الملك الصالح اشتراه بألف دينار ذهبا ، وأصله من قفجق ، وللملك الناصر رحمه اللّه السيرة الكريمة
--> ( 117 ) لاحظ السير هاميلتون كثيب أن ابن بطوطة ربّما لم يزر الأهرامات ! فهو يتحدث عنها وكأنّها بناية واحدة ، ولم يذكر أبا الهول ، وهكذا فإنه لم يكون دقيقا كسلفه ابن جبير . . . ( 118 ) المأمون هو عبد اللّه بن هارون الرشيد ، سابع الخلفاء العباسيين نفذ أمره من إفريقية إلى أقصى خراسان وما وراء النهر والسند وتمّم ما بدأ به جدّه المنصور من ترجمة كتب العلم والفلسفة ، وأطلق حرية الكلام للباحثين وأهل الجدل ، جلس على كرسي الخلافة من 198 ه إلى 218 ه - 813 م - 833 م كان الخليفة العباسي الوحيد الذي زار مصر أثناء خلافته . ( 119 ) تولّى الملك ثلاثة مرات من عام 692 - 1293 إلى 742 - 1341 كان والده سلطانا من 678 إلى 689 - 1279 - 1290 كان في الأصل مملوكا كسائر المماليك للسلطان الصالح وهو السلطان ما قبل الأخير لبني أيوب الذي تملك من 638 إلى 647 - 1240 - 1249 .